محمد متولي الشعراوي

1541

تفسير الشعراوى

إن الحق سبحانه يكشف فعل الماكرين من أهل الكتاب الذين أرادوا إعلان الإيمان أول النهار كلون من « هدى النفس » لكنه من صميم الضلال والإضلال وذريعة له ، ولم يكن هدى من اللّه ؛ لأن هدى اللّه إنما يوصل الإنسان إلى الغاية التي يريدها اللّه ، وهؤلاء البعض من أهل الكتاب أرادوا بالخديعة أن يجعلوا سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دون أتباع يؤمنون بالإسلام ؛ لقد تواصى هؤلاء القوم من أهل الكتاب بأن يكتموا اتفاقهم على تمثيل الادعاء بالإيمان وجه النهار والكفر به في آخره ، وألا يعلنوا ذلك إلا لأهل ديانتهم حتى لا يفقد المكر هدفه ، وهو بلبلة المسلمين . لقد أخذهم الخوف ؛ لأن الناس إن أخذوا بدين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لأوتوا مثلما أوتى أهل الكتاب من معرفة بالمنهج ، بل إن المنهج الذي جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلم هو المنهج الخاتم ، وأهل المكر من أهل الكتاب إنما أرادوا أن يحرموا الناس من الإيمان ، أو أنهم خافوا أن يدخل المسلمون معهم في المحاجة في أمر الإيمان ، وكان كل ذلك من قلة الفطنة التي تصل إلى حد الغباء . لماذا ؟ لأنهم توهموا أن اللّه لا يعرف باطن ما كتموا وظاهر ما فعلوا ، إنهم تناسوا أن الحق يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ، وتطابق ذلك مع سابق فعلهم عندما خرجوا من مصر ، وذهبوا إلى التيه أثناء عبور الصحراء ، وادعوا أن اللّه قال لموسى عليه السّلام : « علموا بيوتكم أيها الإسرائيليون ، لأنى سأنزل وأبطش بالبلاد كلها » . وكأنهم لو لم يضعوا العلامات على البيوت فلن يعرفها اللّه ، إنه كلام خائب للغاية بل هو منتهى الخيبة والضلال ، ويبلغ الحق رسوله الكريم : « قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ » . وما دام الفضل بيد اللّه فلن تستطيعوا يا أهل المكر بالمسلمين أن تأخذوا أناسا كما تودون ، وبعد ذلك تريدون أن تخدعوهم ؛ لأن الفضل حين يؤتيه اللّه لمن آمن به فلن ينزعه إلا اللّه . فالحيلة لن تنزع فضل الإيمان باللّه ما دام قد أعطاه اللّه ، واللّه واسع بمعنى أنه قادر على إعطاء الفضل لكل الخلق ، ولن ينقص ذلك من فضله شيئا ، والحق سبحانه عليم بمن يستحق هذا الفضل لأن قلبه مشغول بربه .